الطبراني
260
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف * ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف لقوله ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) . قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ؛ أي قاتلوا كفّار مكّة حتى لا يكون شرك . وقيل : حتى لا يكون كافر بغير عهد ؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك الكفّار بلا عهد ، فإنّ الكافر بغير عهد يكون عزيزا في نفسه يدعو النّاس إلى دينه . ويجوز أن يكون المراد بالفتنة كلّ ما يؤدّي إلى الفساد . وقوله تعالى : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ؛ أي وتكون الطاعة كلّها للّه ، فتجتمع الناس على دين الإسلام . وقوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) ؛ أي فإن انتهوا عن الشّرك فإنّ اللّه يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم . وَإِنْ تَوَلَّوْا ؛ أي أعرضوا عن طاعة اللّه ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ؛ أي ناصركم ، نِعْمَ الْمَوْلى ؛ نعم الحافظ والوليّ ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 40 ) ؛ منصركم عليهم . قوله تعالى : * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ؛ حتى الخيط والمخيط ، قال ابن عبّاس : ( كان خمس الغنيمة يقسم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على خمسة أسهم ، سهم للّه ورسوله ، وواحد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعطي فيه المحتاج والضّعيف ويجعله في عدّة المسلمين من السّلاح ونحوه ، وسهم لذوي قرابة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسهم ليتامى المسلمين عامّة ، وسهم لمساكين المسلمين ، وسهم لابن السّبيل . ثمّ قسمه أبو بكر بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السّبيل ، وكذلك فعل عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ رضي اللّه عنهم ) « 1 » . وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه ؛ قالوا : إنّ قوله تعالى ( لِلَّهِ خُمُسَهُ ) لافتتاح الكلام باسمه تعالى على طريق التبرّك ، لا لأنّ للّه نصيبا من الخمس ، فإنّ الدّنيا
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 12496 ) عن ابن عباس مختصرا ، وتمامه كما في الأثر ( 12492 ) عن قتادة ، والأثر ( 12494 ) عن عطاء ، والأثر ( 12495 ) عن أبي العالية الرياحي .